أعادت موجة الجدل والانتقادات التي طالت الطفلة ميار عثمان عبر منصات التواصل الاجتماعي، بسبب طريقة نطقها وتحدثها باللغة العربية الفصحى بلكنة اعتبرها البعض “غريبة”، فتح ملف قديم متجدد داخل البيوت العربية، وهى هل يكتسب أطفالنا لكنات مختلفة من القراءة أو الاستماع أو حتى مشاهدة أشياء بلهجات أخرى مثل الرسوم المتحركة؟ وهل يرتكب الطفل خطأً لغوياً إذا تحدث بنبرة لا تشبه محيطه؟.
فدائما ظاهرة “التحدث بالفصحى” أو تقليد لكنات الشاشات تثير قلقاً متزايداً بين الآباء، لكن حسم الأبحاث اللغوية لهذا الجدل يكمن في التفرقة بين “المحاكاة المؤقتة” و”التغيير الدائم”، فالأطفال يلتقطون تفاصيل صوتية دقيقة من حديث الآخرين، ويقلدون الإيقاع والتنغيم تلقائياً، لكن هذا لا يعني أن القراءة أو المشاهدة قادرة على تغيير لهجة الطفل الأصلية للابد.
سحر المحاكاة: الصغار يقلدون الأصوات
المحاكاة الصوتية هي أداة الطفل الأولى لاستكشاف العالم، وفي تجربة لغوية اختبرت قدرة مجموعات عمرية مختلفة على تقليد نبرات صوتية جديدة، أظهرت النتائج أن الأطفال يمتلكون مرونة فائقة وقابلية أعلى بكثير من البالغين لمحاكاة أدق التفاصيل الصوتية بمجرد التعرض لها، وتؤكد التجربة أن هذا التقليد العفوي يظل مجرد مهارة محاكاة وتعبير، ولا يتحول إلى لكنة جينية ثابتة.
هل القراءة تغير طريقة النطق؟
هناك فرق كبير بين القراءة الصامتة والقراءة الجهرية، فالصامتة تبني حصيلة الطفل اللغوية وتثري خياله، لكنها لا تقدم له نموذجاً صوتياً يقلده.
أما القراءة الجهرية والكتب الصوتية تتيح للطفل سماع إيقاع الجمل، ومخارج الحروف، والتنغيم، مما يدفعه غريزياً لمحاكاة ما يسمعه (تماماً كما يحدث عند الاندماج مع أفلام ديزني أو الأنمي المدبلج)، خاصة مع تكرار التعرض للنموذج نفسه.
معضلة “الازدواجية” في لغتنا العربية
تمثل اللغة العربية حالة فريدة يعيش فيها الطفل بين مستويين لغويين الأولى هي “اللهجة المحكية” التي يكتسبها في بيته والبيئة المحيطة به، و”العربية الفصحى” التي يتلقاها عبر الكتب والمحتوى المسموع بالفصحى.
وتكشف الدراسات التربوية أن هذا التباين يفرض تحدياً طبيعياً على استيعاب الأطفال، فحين تم اختبار قدرة أطفال في مرحلة رياض الأطفال على فهم القصص، حققوا الأداء الأفضل عندما استمعوا إليها بالعامية المحكية، لكن المفاجأة كانت في سرعة استجابة الأطفال الذين خضعوا لبرامج قراءة متدرجة، إذ أظهروا قفزة نوعية في استيعاب مفردات الفصحى وقراءتها بسلاسة دون أن تتأثر عاميتهم اليومية.
اختلاف اللكنة ليس خطأً لغوياً
بحسب الدراسات فأنه يجب أن نميز علمياً بين ثلاثة مفاهيم مخلوطة بين البعض، أولها اللهجة وهى الخصائص اللغوية والجغرافية التي تميز مجتمعاً بعينه، والثانية هي اللكنة والتي تحدد السمات الصوتية الفردية مثل مخارج الحروف والإيقاع، والثالثة هي الإلقاء مثل طريقة تلوين الصوت، والوقف، والتأكيد أثناء الكلام.
بناءً على ذلك، عندما يتحدث طفل مستخدماً تنغيماً سينمائياً أو إيقاعاً مستوحى من عالم الفصحى أو الرسوم المتحركة، فهو لا يرتكب ذنباً أو خطأً لغوياً، فالفصحى لغة عالمية واسعة لا تحتكرها لكنة محلية واحدة، والحكم على سلامة نطق الطفل يرتبط بصحة مخارج حروفه وحركاته الإعرابية، وليس بمدى تطابق صوته مع اللهجة الدارجة في الشارع.
في النهاية لا تفسد القراءة أو المدبلجات لغة أطفالنا، وتأثرهم بنموذج صوتي عابر لا يعني فقدانهم لهويتهم اللغوية،
فالطفلة ميار وغيرها من الأطفال يتفاعلون ببراءة وذكاء مع ما يسمعونه، وتنمية قدرتهم على المرونة بين الفصحى والعامية هي ميزة تستحق التشجيع والدعم، بدلاً من التنمر والإنكار لما ينجزونه.


