في المشهد السياسي العربي، تراجعت شعبية الجماعات الإسلامية بشكل ملحوظ خلال السنوات الأخيرة، بعد أن تعرضت صورتها لهزة كبيرة نتيجة تجارب الحكم وتناقضات الخطاب، وعجزها عن تقديم نموذج سياسي مستدام، حيث كانت هذه الجماعات تعتمد على رصيد شعبي قائم على الشعارات والوعود، بينما أصبحت ذاكرة الشارع أكثر صلابة في الحكم على التجارب بدلاً من الخطابات.
يرى الباحث في شؤون الجماعات الأصولية عمرو فاروق أن التراجع الشعبي لهذه الجماعات يعود إلى فشلها في التحول من منطق التنظيم المغلق إلى مفهوم الدولة بمؤسساتها وتعقيداتها، موضحًا أن الأزمة تكمن في غياب القدرة على إدارة المجال العام وصناعة التوافقات السياسية.
ويضيف فاروق أن قطاعات من المواطنين أعادت تقييم التجربة بعد سنوات من الاضطراب، حيث تراجعت جاذبية الخطاب الأيديولوجي أمام أسئلة أكثر ارتباطًا بالواقع مثل الكفاءة وإدارة الاقتصاد والحفاظ على الاستقرار، وهي معايير لم تنجح تلك الجماعات في ترسيخ الثقة بشأنها، خاصة أنها ترفع شعارات مناهضة لمفاهيم الدولة الوطنية واستراتيجياتها السياسية والثقافية.
التحولات التي شهدتها المنطقة بعد موجة ما سُمي بالربيع العربي وضعت الجماعات الإسلامية في اختبار مباشر مع الشارع، حيث اصطدمت تجربتها العملية بتحديات الدولة الحديثة، من إدارة المؤسسات إلى التعامل مع الملفات الاقتصادية والاجتماعية.
هذا الانتقال من مساحة المعارضة إلى مسؤولية الحكم كشف فجوة واضحة بين البناء التنظيمي الصارم ومتطلبات الإدارة السياسية المرنة، ما أسهم في تآكل جزء معتبر من شعبيتها، خاصة لدى الفئات التي كانت تبحث عن حلول معيشية لا عن صراعات أيديولوجية.
في السنوات الأخيرة، أصبح المزاج العام أكثر ميلًا لقياس القوى السياسية بقدرتها على الإنجاز، مما جعل كثيرًا من الخطابات التقليدية أقل تأثيرًا، خصوصًا مع تنامي الوعي بدور الشائعات والاستقطاب في إرباك المجتمعات.
وفي هذا السياق، يشير عمرو فاروق إلى أن الوعي الشعبي تراكم عبر التجربة المباشرة، ما جعل استعادة الثقة أمرًا بالغ الصعوبة، لافتًا إلى أن الجماعات التي لم تجر مراجعات فكرية وسياسية حقيقية تبقى أسيرة أخطاء الماضي، مهما حاولت إعادة تقديم نفسها بصيغ جديدة، بجانب انتهاجها للعنف المسلح وتعميم التكفير وجاهلية المجتمع، كما لا يمكن تجاهل أن سقوط حكم الإخوان وضع المجتمع المصري في خانة العداء والتنكيل باعتباره خرج ضد حكم الجماعة ومشروعها.
ورغم محاولات بعض هذه الجماعات إعادة التموضع إعلاميًا وسياسيًا، فإن استعادة الزخم السابق تبدو مرهونة بقدرتها على الاعتراف بأسباب الإخفاق والتعامل بجدية مع تحولات المجتمع، الذي بات أكثر حساسية تجاه التناقض بين الشعارات والممارسة.
وهكذا، يبدو أن ذاكرة الشعوب، حين تختبر التجربة بنفسها، تصبح أكثر صعوبة على الخداع للمرة الثانية، وهي المعادلة التي تفسر، إلى حد كبير، لماذا تراجعت شعبية الجماعات الإسلامية في أكثر من ساحة عربية.

