هرجة 190

0 تعليق ارسل طباعة تبليغ

ها هي الواحات بعمر 7000 سنة «العلا» بجبال الحجر الرملي الشاهقة والأخاديد التي تكسوها الرمال ترتفع شامخة بقلب مدينة النور باريس، وذلك من خلال المعرض الذي نظمته الهيئة الملكية للعلا مع معهد العالم العربي بباريس للفترة من 9 أكتوبر 2019 حتى 19 يناير 2020.

لا نملك إلا التوقف بضخامة هذا الحدث أو هذا المشهد البانورامي للمعرفة الأثرية والتاريخية والأدبية لمنطقة العلا المتوجة لشمال غرب الجزيرة العربية، التي تم الكشف عن كنوزها للمرة الأولى لعامة الناس في معهد العالم العربي، الذي قام عبر تاريخه بتسليط الضوء على ثقافة عربية موغلة في عراقتها، أتأمل في العلا كمن يراها للمرة الأولى رغم زيارتي لها قبل ما يقارب الخمسة عشر عامًا، أحاول اكتشافها من جديد كمتلق في الشارع الفرنسي، وذلك من خلال أعين الجمهور من كل الجنسيات، ويتملكني الفخر بداية من الإعلانات الضخمة التي تتوزع في محطات قطار الأنفاق، وتستوقف ملايين البشر الذين يتنقلون في شرايين مدينة النور وعالمها السفلي، مرورًا بالمعرض نفسه الذي يتملك المتلقي سواءً في الطابق التاسع للمعهد؛ حيث الاستراحة التي تفترش جدرانها الشاشات الضخمة التي تنقل المشاهد لرمال الجزيرة حتى ليكاد يتنشق عبق ذلك الرمل والصخر المشبع بالسحر، وتمركزًا في قاعات العرض التي حوت المنحوتات التي تم اكتشافها في منطقة العلا نتيجة لتنقيب دام ما يقارب الربع قرن من قبل فرق تنقيب مشتركة سعودية فرنسية. 

نتوقف بالعرض المتفوق والموظف لآخر التقنيات الحديثة، من شاشات عرض عملاقة لأفلام الفيديو ذات المستوى الفني الرفيع والمتحاورة مع مزيج الصور سواء تلك القديمة المؤرخة للموقع أم الحديثة. مساحات تأملية من واحات النخيل المترامية والصخر المنحوت كمعابد نقشتها الطبيعة متداخلة مع نقوش الإنسان القديم ومداخلاته مع ذلك الجمال الخلاب. العلا ليست فقط طرقًا للقوافل والحج للمقدس والبخور والأضرحة المنحوتة في الصحر، وإنما هي مدرجات للتحليق في عالم ما ورائي، عالم تنحته إرادة خفية وتُنبت من صخره البشر، ثم لا تلبث تلك الإرادة أن تبيد ثم تبعث الحياة من جديد، صحوة العلا التي نشهدها حاليًا لهي بحق أشبه بالنشور. 

عرض مشرف لمملكة تسفر عن كنوزها، وتستقطب ليس فقط ابن بطوطة بل أيضًا آلافًا من الرحالة العصريين بفضولهم الجميل، العلا لا تندثر.

هذا المقال "هرجة 190" من موقع (جريدة الرياض) ,ولا يعبر عن الموقع أو وجهة نظرة بأي شكل ,وتقع مسئولية الخبر أو صحتة على مصدر الخبر وهو جريدة الرياض.

أخبار ذات صلة

0 تعليق