هل سينعم الاحتلال الإماراتي بالهدوء في عدن؟

0 تعليق ارسل طباعة تبليغ

تشهد مدينة عدن اليمنية تطورات سياسية وعسكرية متلاحقة تنطوي على عواقب بالغة الخطورة لا تمسّ حاضر محافظات الجنوب فقط، بل تمتد إلى مستقبلها أيضاً، سواء لجهة استمرار الانتماء إلى المتحد اليمني ذاته، أو فقدان السيادة والوقوع تحت سيطرة قوة خارجية تتستر باسم ميليشيا محلية. ورغم أن نجاح قوات ما يسمى «المجلس الانتقالي الجنوبي» في السيطرة على القصر الرئاسي كان مجرد خطوة رمزية أقرب إلى تحصيل الحاصل، فإن النتائج اللاحقة استكملت عملياً سيرورة منهجية كانت دولة الإمارات قد انخرطت فيها منذ بدء مشاركتها في قوات التحالف.
ولقد كان واضحاً أن أبو ظبي لا تنوي تخفيض وجودها العسكري في اليمن، أو حتى الانسحاب التدريجي النهائي من التحالف، من دون إنشاء قوّة محلية تابعة تكفل الإبقاء على النفوذ الإماراتي في الكثير من مناطق الجنوب، وخاصة في الموانئ والجزر والثغور ذات الأهمية الاستراتيجية. وهذا على وجه التحديد هو الدور الذي أناطته أبو ظبي بنحو 90 ألف مقاتل من أبناء الجنوب والمناطق الساحلية، جُنّدوا في فصائل عسكرية وميليشيات انفصالية توحدت تحت راية «المجلس الانتقالي الجنوبي»، الذي حاول السيطرة على عدن مطلع العام 2018، ثم كرر المحاولة مؤخراً عند اقتحام القصر الرئاسي في المعاشيق حيث مقرّ الحكومة المؤقتة أيضاً.
وإذا صح القول بأن هذه الخطوة الإماراتية تعد نكسة لوحدة الصف داخل التحالف الذي تتشارك السعودية والإمارات في قيادته منذ البدء، فإن من الخطأ الظن بأن الرياض كانت غافلة عن الخطوة الإماراتية أو أنها لم تتواطأ على إنجاحها حين لزمت الصمت المطبق طوال أربعة أيام كانت كافية لكي تستكمل ميليشيات هاني بن بريك زحفها على القصر الرئاسي، وتجبر حاميته على الاستسلام. في عبارة أخرى، كانت السعودية تتيح للإمارات فرصة استرداد بعض أثمان مشاركتها في التحالف عن طريق إرساء نفوذ بعيد المدى في الجنوب اليمني، لعله أيضاً يمكّن الشريك السعودي من إيجاد فرصة مقبلة لابتلاع الشمال اليمني.
الدليل الآخر على التواطؤ السعودي هو صمت القبور الذي خيّم على الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي، وكأن القصر الذي سقط لم يكن آخر ما تبقى لرئاسته من عناوين، أو كأنه لم يكرر في الماضي شكواه من اتساع نفوذ الإمارات في الجنوب عموماً وفي عدن تحديداً. وفي المقابل كانت مبادرة الرياض إلى دعوة أطراف النزاع لاجتماع طارئ، أو الإنذارات التي أطلقها ضباط التحالف بقصف مخالفي وقف إطلاق النار، مجرد ذر للرماد في العيون.
ومن المؤسف أن الخطوة الإماراتية الأخيرة لم تأت من فراغ على صعيد حال الانفصال الفعلية التي تكرست بين شمال اليمن وجنوبه، والمشكلات الكثيرة التي عانى منها أبناء الجنوب منذ الحرب الأهلية لسنة 1994، وأشكال التمييز العديدة التي زادت في حدة الإحساس بانفصال قائم غير معلن، وكذلك فساد إدارة هادي التابع والغائب أصلاً في السعودية. ومع ذلك فليس من المبالغة التكهن بأن الاحتلال الإماراتي غير المباشر لن ينعم بالهدوء، على أرض ذات تاريخ عريق في المقاومة ومواجهة الغزاة.
وأمّا الدرس الأكبر فإنه الهزائم المتعاقبة التي لحقت وتلحق بمغامرة بن سلمان وبن زايد الطائشة في اليمن، وما خلّفته حتى الساعة من مآس دامية وحصاد مرير.

 ويعتبر مصدر سياسي في الحراك الجنوبي من جناح مؤتمر القاهرة (من أبرز قياداته رئيس الوزراء السابق حيدر أبو بكر العطاس والرئيس السابق علي ناصر محمد)، في حديث مع "العربي الجديد"، أن المشاهد الأولية لمستقبل الجنوب وقضيته مخيفة، فقد أفرزت التطورات تمترساً مناطقياً، ومن شأن ذلك أن يحد في الفترة المقبلة من أي محاولات للتقارب أو حوارات تخص "القضية الجنوبية"، وهذا ما بدأت أطراف وقيادات جنوبية تؤمن به، وتوصلت إلى نتيجة مفادها أن سلبيات الماضي التي تم العمل على تخطيها من خلال مشاريع التصالح والتسامح، أطلت برأسها من جديد. 

ويلفت المصدر نفسه إلى وجود محاولات لإقصاء الأطراف الجنوبية الأخرى، وإن كانت تحظى بدعم قوى خارجية، لكنها في الأصل تجسيد لعقليات لم تتجاوز الماضي، مشيراً إلى أن الجنوبيين لن يسمحوا بأن يحصل تراجع في ما وصلت إليه القضية الجنوبية من تقدم كبير. كما كان المجلس الأعلى للحراك الثوري، برئاسة القيادي الجنوبي فؤاد راشد، الذي يتخذ موقفاً معارضاً لسياسات المجلس الانتقالي ومحاولة احتكار التمثيل الجنوبي، قد دعا، في بيان مقتضب حصلت "العربي الجديد" على نسخة منه، إلى وقف سفك الدماء في الجنوب في ما اعتبره مساعي البعض طمعاً في السلطة وبعيداً عن التوافق الجنوبي في صورة نمطية من الفكر الشمولي السابق، مطالباً السعودية والإمارات بوقف النزيف الجنوبي. 

وقال الحراك الثوري في بيانه، إن "الجنوب اليوم بعد المعارك العبثية التي جرت وسفكت فيها الدماء في الأشهر الحرم، ينزف حزناً والماً ويستحق من المملكة العربية السعودية ومن دولة الإمارات العربية المتحدة التعاون في التئام جراحه وتوحيد صفوفه وليس دعم تيار بعينه وتمكينه من حكم الآخرين بقوة السلاح، فجميع الجنوبيين هبوا هبة رجل واحد في مواجهة عدوهم وعدو الجزيرة كلها وأذاقوه الخسارة المريرة وأسقطوا حلم إيران في التواجد في المنطقة". ودعا المجلس الانتقالي الجنوبي إلى أن "يغتنم الفرصة ويعمل على تغيير سلوكه العدواني تجاه الجنوبي الآخر ويترفع عن نزقه القروي، ويفتح صفحة جديدة في طاولة سياسية مستديرة يرعاها الشقيق الأكبر الحريص على الجنوب ووحدته الوطنية".

هذا المقال "هل سينعم الاحتلال الإماراتي بالهدوء في عدن؟" من موقع (المشهد اليمني) ,ولا يعبر عن الموقع أو وجهة نظرة بأي شكل ,وتقع مسئولية الخبر أو صحتة على مصدر الخبر وهو المشهد اليمني.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق