تزايدت في الآونة الأخيرة ظاهرة “إحياء الموتى رقمياً” التي تتيح للأشخاص التواصل مع أحبائهم المتوفين باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، حيث يمكن تحقيق ذلك بمبلغ 3300 جنيه مصري، مما أثار جدلاً واسعاً حول تأثيراتها النفسية والاجتماعية والدينية في المجتمع المصري.
تعتبر هذه الظاهرة جزءاً من تجارة جديدة تُعرف بـ”القيامة الرقمية”، حيث يمكن للأفراد التواصل مع نسخ رقمية من المتوفين عبر تطبيقات تعتمد على الذكاء الاصطناعي. وقد بدأت هذه الظاهرة في الانتشار في مصر، رغم أن البعض يعتقد أنها لا تزال بعيدة عن الدول العربية.
في نهاية سبتمبر الماضي، انتشر فيديو بعنوان “رسالة من العالم الآخر” على وسائل التواصل الاجتماعي، يظهر فيه مجموعة من الفنانين المصريين الذين رحلوا عن الحياة، حيث تم تجسيدهم باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي. الفيديو أثار ردود فعل متباينة، خاصة من الفنانة حنان مطاوع التي عبرت عن غضبها بسبب عدم استئذانها قبل استخدام صورتها في الفيديو.
حنان مطاوع أكدت أنها ترفض الحديث عن الفيديو لأنه يسبب لها الحزن، مشيرة إلى ضرورة وجود قوانين تحكم استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في هذا السياق. وقد أبدت استياءها من عدم مراعاة مشاعر أسر المتوفين.
تجدر الإشارة إلى أن هذه التقنية ليست جديدة، حيث ظهرت شركات في الصين منذ عام 2016 تقدم خدمات مشابهة، تعتمد على بيانات شخصية وصوتية للأشخاص المتوفين، مما يعكس رغبة المجتمعات في تجاوز التابوهات المرتبطة بالموت.
في الغرب، ظهرت أيضاً شركات تقدم خدمات مشابهة، مثل “Hereafter AI” و”Story File”، التي تتيح للأسر محاورة نسخ رقمية من أحبائهم بعد وفاتهم. هذه الظاهرة تُعرف أحياناً بـ”تكنولوجيا الحزن” أو “صناعة الحياة الرقمية” بعد الموت.
في مصر، قال إلبرت جميل، الذي قام بإنتاج الفيديو المذكور، إنه يرفض فكرة إحياء الموتى رقمياً، مشيراً إلى أن هدفه كان صنع ذكرى جميلة عن الفنانين الذين أثروا في الحياة الفنية. وأكد أن التقنية لا تعكس إنسانية أو دينية، حيث أن الموت هو قرار رباني يجب التسليم به.
تباينت ردود الفعل حول الفيديو، حيث تلقى إلبرت رسائل من أشخاص يرغبون في الحصول على نسخ رقمية لأحبائهم المتوفين، بينما واجه انتقادات من آخرين. وأوضح أن التجربة تختلف من شخص لآخر، فبعضهم يجدها مؤلمة بينما يعتبرها آخرون تجربة عادية.
دراسة حديثة تناولت “الإحياء الرقمي” أكدت أن هذه التقنية تستخدم البيانات الرقمية لإنشاء نماذج ذكاء اصطناعي تحاكي الشخصيات المتوفاة، مما يثير تساؤلات حول الأطر الأخلاقية والفلسفية لهذه الظاهرة.
من جهته، أشار المهندس محمد الحارثي إلى أن المجتمع المصري قد يواجه صعوبة في تقبل هذه الفكرة، معتبراً أن التقنية الحالية تقتصر على النسخ الرقمية للمشاهير، والتي تتم بموافقتهم.
أما الدكتورة هالة يسرى، فقد اعتبرت أن هذه التقنية قد تدفع الإنسان إلى الهاوية، مشيرة إلى تأثيراتها النفسية والاجتماعية السلبية. وأكدت على ضرورة انتقاء المستحدثات التكنولوجية بما يفيد المجتمع.
الدكتور جمال فرويز، أستاذ الطب النفسي، حذر من أن هذه التقنية قد تؤدي إلى تفاقم الأمراض النفسية، خاصة لدى الأشخاص الذين لديهم استعداد لذلك. وأكد على أهمية التعامل بحذر مع الذكاء الاصطناعي، مشيراً إلى أن الاستخدام المفرط قد يؤدي إلى مشاكل نفسية خطيرة.
في النهاية، تظل تقنية “إحياء الموتى رقمياً” موضوعاً مثيراً للجدل، يتطلب وعيًا مجتمعيًا وتشريعات قانونية تضمن التوازن بين الابتكار واحترام الإنسان حياً وميتاً.

