قبل أن تتجاوز العشر سنوات، بدأت شهد السعيد تعاني من آلام غير معتادة في ذراعها، آلام تحولت من وخز خفيف إلى شعور بالألم الشديد، حتى اعتقدت أنها فقدت القدرة على تحريك ذراعها تمامًا. انتقلت من طبيب إلى آخر، حتى انتهى بها المطاف في أحد مستشفيات علاج السرطان، حيث بدأت رحلة من الصبر والمعاناة.
تروي شهد، التي تبلغ من العمر 19 عامًا، تفاصيل مواجهتها الأولى مع المرض، قائلة: “في بداية اكتشاف الورم، لم يكن أحد يتوقع أن أخرج سالمة منه، كان الورم موجودًا في المخ وجذع المخ في الناحية اليمنى، وكان الأطباء يخشون أن أفقد القدرة على الكلام أو أن أصاب بشلل كامل، ومع ذلك، خرجت من غرفة العمليات بشلل نصفى مؤقت، بينما كان الأمل يتسلل إلى قلبي تدريجياً، شعور صغير لكنه أعطى القوة لمواصلة رحلة العلاج الطويلة”.
لم تسمح شهد للمرض بأن يثني عزيمتها، فقد عاد الورم بعد فترة من الشفاء، ودخلت مرحلة العلاج الإشعاعي والأقوى من الأدوية الكيميائية. ومع كل جرعة وكل جلسة، شعرت بأن جسدها يقاوم، وأن روحها لا تنكسر، لكن القدر لم يكتفِ بذلك، فقد عاد الورم مرة ثالثة، وهنا خضعت لنوع ثالث من العلاج بالعقاقير المركزة، ليبدأ جسدها الصغير أخيرًا بالاستقرار. تقول: “كل مرة كنت أخرج منها متعبة ومجروحة، لكنني كنت أؤمن بأن هذه المحنة مؤقتة، وأن النهاية ستكون لصالح الحياة”.
كانت المتابعة جزءًا من حياتها اليومية، أسابيع تتحول إلى أشهر، وأشهر تتحول إلى سنوات، كل فحص وكل تحليل كان اختبارًا جديدًا للصبر. ومع ذلك، لم تسمح شهد للخوف بأن يسيطر على قلبها، بل حولته إلى دافع للاستمرار: “كنت أركز على كل خطوة صغيرة، على كل تحسن ولو بسيط، وعلى دعم الأطباء والممرضين وكل من وقف بجانبي”.
تستعيد شهد حياتها تدريجيًا، كما تستعد لاختتام المرحلة الثانوية، وتسعى لتحقيق حلمها بالالتحاق بكلية التمريض، لتكمل رحلتها في الحياة بكل قوة وإصرار. تقول بابتسامة هادئة: “لقد علمتني هذه التجربة أن الحياة تستحق الصمود، وأن القوة الحقيقية تكمن في الإيمان بالقدرة”.
رحلة شهد مع السرطان لم تكن مجرد معركة مع مرض خطير، بل كانت قصة عن الإرادة والصمود، والقدرة على تحويل الألم إلى حافز للحياة. تجربة تُظهر أن الإنسان قادر على تجاوز أقسى الظروف، وأن النصر على المرض يبدأ من القلب قبل الجسد، وأن الابتسامة بعد الألم تعني أكثر مما يمكن للكلمات أن تصفه.

