فى إحدى القرى بمحافظة الشرقية، أنجبت إسراء طفلها الأول محمد محمود، وكانت تتمنى أن يكبر أمام عينيها بأمان، لكن رحلة المعاناة بدأت مبكراً. منذ أن كان رضيعاً لم يتجاوز ستة أشهر، لاحظت إسراء أن عظامه لينة بشكل غير طبيعي، مما دفعها للتنقل بين أطباء المخ والأعصاب والعظام. استمرت المتابعة لسنوات حتى بلغ الخامسة، حيث تحسنت حالته وأصبح يمشى بصورة طبيعية، وظنت أن العاصفة قد مرت.

لكن القدر كان يحمل اختباراً آخر، حيث بدأ محمد يشكو من تعب مفاجئ ونغزات فى قلبه. انتهت جولات الأطباء بقرار صادم بإجراء عملية قلب مفتوح لطفل فى السادسة من عمره. خرج محمد من العملية بخير، لكن بعد شهر ارتفع ضغطه بشكل مفاجئ دون سبب معروف، مما استدعى حجزه شهراً كاملاً فى المستشفى. قيل إن لديه اتساعاً فى فتحة بالكلى، وبدأت متابعة جديدة. ومع الوقت، عاد محمد تدريجياً إلى حياته الطبيعية والتحق بالصف الأول الابتدائى.

فى يوم عادى، لاحظت إسراء كتلة ظاهرة فى رقبة ابنها. سألته إن كان قد تعرض للضرب، لكنه نفى. أسرعت به إلى الطبيب، الذى طمأنها فى البداية بأنها ربما تكون كيساً دهنياً بسبب جراحة القلب. لكن إسراء لم تقتنع وطلبت أشعة سونار، لتكون الصدمة: عدة كتل منتشرة فى الجسم، تضخم فى الطحال والقلب. وبعد أخذ عينة، جاءت النتيجة المرعبة: سرطان فى الغدد الليمفاوية. اختصر الطبيب المسافة بين الصدمة والقرار، وأوصى بإخراج محمد إلى أحد مستشفيات علاج السرطان، ومن هنا بدأت الرحلة الحقيقية.

تقول إسراء إن أول جرعة كيماوى غيّرت كل شىء فى تفاصيل حياة محمد، حيث تغيّر شكله وملامحه ونظرته للحياة. لم يكن طفلاً يستوعب بسهولة ما يحدث له، وتأثر نفسياً بشدة، حتى حاول إيذاء نفسه بسبب صدمته من شكله بعد العلاج. لكن مواساة الأسرة ساعدته على استعادة توازنه تدريجياً، وأكمل جرعاته حتى النهاية.

مرت الأسرة بتجارب قاسية، حيث واجهوا التنمر والضغوط وكلام الناس، مما كشف عن معادن البشر من حولهم. كان زوج إسراء سندها الأكبر، بينما برزت وجوه مضيئة من الأصدقاء الذين وقفوا بجوارهم كالإخوة. كان أحدهم يرافقهم ليل نهار، يفعل ما لم يفعله بعض الأقارب.

لم تكن المعركة تخص إسراء وزوجها وحدهما، بل كان والدها حاضراً بالدعم والدعاء. أما والد زوجها، فقد أصيب بجلطة من شدة حزنه على حفيده وتوفى قبل عامين، تاركاً وجعاً إضافياً. وكانت أم إسراء، المريضة بالسكرى، مثالاً آخر للتضحية، حيث لم تترك ابنتها فى أشد لحظات ضعفها.

اليوم، محمد فى الصف السادس الابتدائى، مدمج دراسياً بسبب حالته، لكنه بخير. يكفى إسراء أنه بجوارها، يضحك ويتحرك ويكبر أمام عينيها. كان عمره ست سنوات تقريباً حين بدأت رحلة الليمفوما، واليوم يبلغ الثانية عشرة، ومرت خمس سنوات من المعاناة والمتابعة. تعيش الأسرة حياة مستقرة وآمنة، وتصف إسراء شعورها الآن بأنه لا يُوصف من شدة الفرح والامتنان، حيث لا يفارق لسانها الحمد لله. وتؤمن أن ما حدث كان ابتلاء واختبار، وأن الله منحهم القوة والصبر، ثم نعمة الشفاء.