على مدار ما يقرب من قرن، شهدت جماعة الإخوان تحولات جذرية انتقلت بها من إطار الدعوة الذي أسسها حسن البنا عام 1928 إلى كيان سياسي معقد، حيث استخدمت العنف كأداة لتحقيق أهدافها، مما كشف عن تناقضات بين خطابها وممارساتها.
في بداياتها، قدمت الجماعة نفسها كحركة إصلاحية تهدف لنشر القيم الدينية والأخلاقية، لكن سرعان ما تغير هذا الطابع مع اتساع طموحاتها السياسية، حيث بدأت في بناء تنظيم أكثر انضباطًا، وظهرت ملامح العمل السري والتنظيم الخاص الذي ارتبط بعمليات استهدفت خصومها السياسيين.
تطور المشهد السياسي
ومع تطور المشهد السياسي في مصر خلال النصف الثاني من القرن العشرين، دخلت الجماعة في صراع مع الدولة، خاصة منذ السبعينيات، حيث أعادت إنتاج خطابها كتيار اجتماعي يسعى للتغلغل داخل المجتمع.
هذا التحول اعتمد على استراتيجية مزدوجة، تنظيم محدود العدد شديد الانضباط، يقابله امتداد اجتماعي واسع يتبنى أفكارها دون انتماء تنظيمي مباشر، مما منحها قدرة على التأثير تتجاوز حجمها الحقيقي.
اعتمدت الجماعة على أدوات متعددة، أبرزها خطاب المظلومية الذي أصبح ركيزة أساسية في دعايتها منذ السبعينيات، حيث تم تقديم رموزها كضحايا لصراع سياسي، مما ساهم في خلق تعاطف شعبي في بعض الفترات.
لم تكتفِ الجماعة بالعمل التنظيمي، بل سعت للتأثير في الوعي المجتمعي عبر إعادة تشكيل المجال الاجتماعي، من خلال التركيز على المظاهر الدينية، وتوسيع حضورها في المساجد والمناسبات الدينية.
عملت الجماعة على بناء شبكات موازية من المؤسسات الخدمية، مثل الجمعيات الخيرية والمراكز التعليمية، التي قدمت خدمات للمواطنين، لكنها أسهمت أيضًا في خلق بيئة اجتماعية واقتصادية تدور في فلك أفكارها.
بالتوازي، سعت الجماعة لإعادة صياغة الوعي العام، من خلال التشكيك في بعض الرموز السياسية والثقافية، ومحاولة تقديم بدائل جديدة تعبر عن رؤيتها، مما اعتبره مراقبون محاولة لإعادة تشكيل الذاكرة الجمعية.
مع اندلاع أحداث عام 2011، وجدت الجماعة فرصة للوصول إلى السلطة عبر حزبها الحرية والعدالة، لكن هذه المرحلة كشفت عن فجوة بين الخطاب والممارسة.
بدلًا من تبني سياسات توافقية، اتجهت الجماعة نحو تركيز السلطة، مما أثار حالة من الاحتقان الشعبي، خاصة مع تزايد المخاوف من إقصاء القوى السياسية الأخرى.
ليس مجرد رد فعل ظرفي
ومع تصاعد الاحتجاجات ضد حكم الإخوان، دخلت الجماعة في مرحلة جديدة من التصعيد، حيث شهدت الشوارع مواجهات أسفرت عن سقوط ضحايا، مما عزز من صورة التنظيم كفاعل سياسي يلجأ إلى القوة.
هذا العنف لم يكن مجرد رد فعل ظرفي، بل كان حاضرًا في مراحل مختلفة من تاريخ الجماعة، سواء عبر التنظيمات الخاصة في بداياتها، أو من خلال الموجات التي أعقبت عام 2013.
أكد منير أديب، الباحث في شؤون الجماعات المتطرفة، أن التنظيم نجح في تغيير جلده أكثر من مرة، متنقلًا بين الشعارات الدينية والعمل السياسي، وصولًا إلى تبني العنف كأداة رئيسية.
أشار إلى أن مؤسس الجماعة أقر مبكرًا باستخدام القوة حين لا تجدي الوسائل الأخرى، مما يعكس أن العنف كان جزءًا من التفكير السياسي للتنظيم.
وأوضح أن الجماعة مرت بمراحل متعددة، بدءًا من التنظيم الخاص، مرورًا بفترات التخفي والعمل الخيري، وصولًا إلى ما وصفه بإخوان الفرانشايز في المرحلة الحديثة.
في السنوات الأخيرة، اتجهت الجماعة إلى توظيف وسائل حديثة، مثل الذكاء الاصطناعي، في نشر الشائعات وتزييف الواقع، مستشهدًا بنماذج لمحتوى مفبرك استهدف مؤسسات دينية ورموزًا وطنية.
لفت إلى وجود تناقضات في مواقف الجماعة، حيث تتبنى خطابًا عدائيًا تجاه بعض القوى الدولية، بينما تسعى في الوقت ذاته إلى التقارب معها إذا اقتضت مصالحها، مما يعكس براغماتية سياسية تتجاوز الشعارات المعلنة.

