مع دخول العشر الأواخر من شهر رمضان المبارك يقترب موعد ليلة القدر، وهي من أعظم الليالي التي اختصها الله تعالى بفضل كبير ومكانة عظيمة، إذ نزل فيها القرآن الكريم، وجعل العبادة فيها خيرًا من عبادة ألف شهر، أي ما يزيد على 83 عامًا من العمل الصالح.
قال الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِن كُلِّ أَمْرٍ سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ (سورة القدر: 1–5)، ومن هنا كانت ليلة القدر محطة إيمانية عظيمة في حياة المسلمين، يتقربون فيها إلى الله بالصلاة والذكر والدعاء وقراءة القرآن
متى تكون ليلة القدر؟
أكدت دار الإفتاء المصرية أن جمهور العلماء اتفق على أن ليلة القدر تقع في شهر رمضان المبارك، وتحديدًا في العشر الأواخر منه، وقد دلّت على ذلك أحاديث صحيحة كثيرة عن النبي ﷺ.
روى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله ﷺ قال: «تحرّوا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان»، رواه البخاري، كما جاء في حديث آخر عن عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ قال: «تحرّوا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان»، رواه البخاري، وهذا يدل على أن ليلة القدر تكون غالبًا في الليالي الوترية من العشر الأواخر، وهي: ليلة الحادي والعشرين، ليلة الثالث والعشرين، ليلة الخامس والعشرين، ليلة السابع والعشرين، ليلة التاسع والعشرين
رجّح بعض العلماء أنها ليلة السابع والعشرين لكثرة الروايات التي تشير إلى ذلك، إلا أن الرأي الراجح عند جمهور العلماء أنها غير محددة بليلة بعينها، بل تتنقل بين ليالي العشر الأواخر.

الحكمة من إخفاء وقت ليلة القدر
لم يحدد الإسلام ليلة القدر تحديدًا قاطعًا، وقد بيّن النبي ﷺ سبب ذلك في حديث مشهور، فقد روى عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن النبي ﷺ خرج ليخبر الناس بليلة القدر، فتلاحى رجلان من المسلمين، فقال: «خرجت لأخبركم بليلة القدر فتلاحى فلان وفلان، فرفعت، وعسى أن يكون خيرًا لكم، فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة»، صحيح البخاري
يفهم العلماء من هذا الحديث أن إخفاء ليلة القدر فيه حكمة عظيمة، وهي أن يجتهد المسلم في العبادة خلال جميع ليالي العشر الأواخر، فينال ثوابًا أعظم وأجرًا أكثر.
متى يبدأ وقت ليلة القدر ومتى ينتهي؟
يبدأ وقت ليلة القدر من غروب الشمس في إحدى ليالي العشر الأواخر من رمضان، وينتهي بطلوع الفجر، وقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك في قوله تعالى: ﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾، سورة القدر: 5، أي أن هذه الليلة المباركة تستمر من بداية الليل حتى طلوع الفجر، وهي فترة يتنزل فيها السلام والرحمة والبركة على المؤمنين
كيف كان النبي ﷺ يتحرى ليلة القدر؟
كان النبي ﷺ أعظم الناس اجتهادًا في العبادة خلال العشر الأواخر من رمضان، وقد وصفت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها حاله فقالت: «كان رسول الله ﷺ إذا دخل العشر الأواخر أحيا الليل، وأيقظ أهله، وشد مئزره»، رواه البخاري ومسلم، ومعنى “شد مئزره” أي اجتهد في العبادة واعتزل ما يشغله عنها، متفرغًا لطاعة الله تعالى
علامات ليلة القدر
وردت في السنة النبوية بعض العلامات التي قد تدل على ليلة القدر، ومن أشهرها ما رواه أُبيّ بن كعب رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «وأمارتها أن تطلع الشمس في صبيحتها لا شعاع لها» رواه صحيح مسلم، كما ورد في بعض الروايات أن ليلة القدر تكون ليلة هادئة معتدلة لا شديدة الحر ولا شديدة البرد، ويسودها سكون وطمأنينة
ومن وفقه الله لقيام هذه الليلة إيمانًا واحتسابًا نال مغفرة الذنوب وفضلًا عظيمًا، كما قال النبي ﷺ: «من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه» صحيح البخاري وصحيح مسلم

