أكد الدكتور عمرو الورداني، رئيس اللجنة الدينية بمجلس النواب، أن شهر رمضان ليس مجرد موسم لزيادة الطاعات، بل هو زمن إلهي خاص يهدف إلى إصلاح القلوب وإعادة ترتيبها من الداخل، مشيرًا إلى أن إصلاح القلب يتطلب تربية عميقة وليس قرارات سريعة أو اندفاع مؤقت.

وأضاف خلال حلقة برنامج «في الدين» المذاع على قناة الناس، أن الدين يتجاوز المعلومات الدينية والأحكام، بل يتطلب الدخول إلى عمق المعنى، مستشهدًا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين»، موضحًا أن الفقه يشمل فقه القلوب، حيث أن القلب هو مركز الأزمة والحل في حياة الإنسان.

القلب هو موضع القرار والخوف والطمأنينة والرؤية

أوضح الورداني أن القلب هو موضع القرار والخوف والطمأنينة، وقد يواجه الإنسان صعوبة في رؤية الحقيقة رغم فهمه للأمور، مشيرًا إلى أن من أخطر ما يصيب القلب في زماننا هو الصراع مع المستقبل، الذي يسبب توترًا دائمًا وشعورًا بنقص اللحظة الحاضرة.

وأشار إلى أن الكثير من الناس يعرفون ما يسمى بالخوف من الفوات، لكن الصراع الحقيقي مع المستقبل أعمق، حيث يعيش الإنسان قلقًا دائمًا بشأن ما سيأتي، وهذا ينبع من الخوف من المجهول، مما يكشف عن أزمة ثقة في الله سبحانه وتعالى.

وبيّن أن الأسئلة الوجودية الكبرى تضع الإنسان أمام الحقيقة، حيث أن الله هو من يعلم المستقبل ويتحكم فيه، مؤكدًا أن الخوف المفرط من الغد يشير إلى اهتزاز في الثقة بالله، وأن الاعتماد على الأسباب قد يتحول إلى نوع من تأليه الأسباب.

لفت الورداني إلى أن الحياة الحديثة ساهمت في إضعاف الشعور بمعية الله، خاصة مع تسارع الأحداث، مما يولد شعورًا بعدم الاستعداد لمواجهة المستقبل، وهذا العجز يؤدي إلى رغبة قوية في السيطرة على ما لا يمكن السيطرة عليه.

أكد أن القلق يبدأ عندما يدرك الإنسان أن الحياة لا تسير وفق السيناريو الذي رسمه، مشيرًا إلى أن التخطيط للمستقبل ليس خطأ، لكن المشكلة تكمن في تعلق القلب بالسبب ونسيان المسبب.

التعارض الحقيقي ليس بين النصوص الشرعية

أشار إلى أن التعارض الحقيقي ليس بين النصوص الشرعية، بل بين فهم الناس لها، موضحًا أن القلق المرضي قد يتحول إلى حالة وجودية تقنع الإنسان بأن القلق هو الحالة الطبيعية، مما يسرق منه الحاضر.

وأوضح أن القلب الذي يعيش في خوف دائم من زوال النعمة لا يعيش الواقع، بل يعيش في مأساة متخيلة، مشيرًا إلى أن كسر هذا السجن يتطلب حالة يعيشها الإنسان بقلبه وجوارحه، وأن عبادة الخدمة هي من أهم العبادات التي تخرج الإنسان من ضيق نفسه إلى سعة مدد الله.

بيّن أن الخدمة ليست مجرد خدمة للناس، بل هي خدمة لله من خلال خدمة خلقه، حيث يشعر الإنسان بالقرب من الله ومعيته. وأضاف أن للخدمة سرًا عظيمًا يتمثل في أنها تمنح الإنسان حق الدخول على الله، مما يساعده على رؤية كيف يدبر الله الأمور بلطف.

أكد أن الخدمة تهدم الكبر داخل النفس، وتعلم الإنسان التسليم العملي لله، مما يحيي في القلب قيمة اليقين بمدد الله، وهي القيمة التي تعالج الخوف من المستقبل.

الخدمة هي من أعظم الطرق التي تورث القلب يقينًا بالله

أكد الورداني أن الخدمة من أعظم الطرق التي تورث القلب يقينًا بالله، حيث تنقل الإنسان من ضيق الخوف إلى سعة الثقة، وتجعل القلب يهدأ وهو يعمل.

وأشار إلى الفرق بين الأجير الذي يعمل منتظرًا المقابل، والعبد الذي يعمل لله، حيث يسكن قلب العبد لأنه يعمل لله.

قدم الورداني ثلاث خطوات عملية لتحقيق هذا المعنى في الحياة اليومية، أولها تصحيح زاوية النظر إلى الخدمة، وثانيها تخصيص ورد يومي من خدمة الناس، وثالثها التدريب على فعل الخير دون انتظار مقابل.

أوضح أن القلب الذي يعيش بهذه الطريقة يصبح أكثر سكينة، حيث يعود الإنسان إلى مكانه الصحيح في حضرة الله، مما يشعره بمدده وعنايته.

في ختام حديثه، دعا الورداني أن يرزق الله القلوب يقينًا بمدده، وأن يرفع عنها غشاوات القلق والخوف، وأن يجعل مستقبل الناس باب رضا وكرم.